محمد بن جرير الطبري
201
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أن يكون الله يرى بالأبصار في الدنيا والآخرة . وتأولوا قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابه . وتأول بعضهم في الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربهم يوم القيامة تأويلات . وأنكر بعضهم مجيئها ، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وردوا القول فيه إلى عقولهم ، فزعموا أن عقولهم تحيل جواز الرؤية على الله عز وجل بالأبصار ؛ وأتوا في ذلك بضروب من التمويهات ، وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات . وكان من أجل ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئا إلا ما باينها دون ما لاصقها ، فإنها لا ترى ما لاصقها . قالوا : فما كان للأبصار مباينا مما عاينته ، فإن بينه وبينها فضاء وفرجة . قالوا : فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم ، فقد وجب أن يكون الصانع محدودا . قالوا : ومن وصفه بذلك ، فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان . قالوا : وأخرى ، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات ، ومن شأن المتنشم أن يدرك الأعراف . قالوا : فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزا أن يقضى للسمع بغير إدراك الأصوات وللمتنشم إلا بإدراك الأعراف ، فسد أن يكون جائزا القضاء للبصر إلا بإدراك الألوان . قالوا : ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفا بأنه ذو لون ، صح أنه غير جائز أن يكون موصوفا بأنه مرئي . وقال آخرون : معنى ذلك : لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا ، وأما في الآخرة فإنها تدركه . وقال أهل هذه المقالة : الإدراك في هذا الموضع : الرؤية . واعتل أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : الإدراك وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية ، فإن الرؤية من أحد معانيه ؛ وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصره شيئا فيراه وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية . قالوا : فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له دون ما لم يره . قالوا : وقد أخبر الله أن وجوها يوم القيامة إليه ناظرة ، قالوا : فمحال أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤية . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضاد وتعارض ، وجب وصح أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ على الخصوص لا على العموم ، وأن معناه : لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة ، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . وقال آخرون من أهل هذه المقالة لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا ، وأما في الآخرة فإنها تدركه : الآية على الخصوص ، إلا أنه جائز أن يكون معنى الآية : لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة ، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله . قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة ؛ وأما بالرؤية فبلى . قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة ، وجائز أن يكون معناها : لا تدركه أبصار من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصار خلقه ، فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه ، هو الذي أثبته لنفسه ، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قواها جل ثناؤه على النفوذ فيه ، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء . قالوا : ولا شك في خصوص قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وأن